محمد طاهر الكردي
253
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ثم يسمع حديث النساء فلا ينكر منه شيئا ، كأنما كان ينتظره ، وكأنما كان منه على ميعاد . ثم يرفع الصبي إليه فيقبله ويقول : لأسمينه محمدا ، قالت آمنة : لقد أتاني في النوم فأمرني أن أسميه أحمد . قال عبد المطلب : فهو محمد وهو أحمد ، وما أرى إلا أنهما بعض أسمائه . قلت لمحدثي : فقد زعموا أن عبد المطلب خرج بعد ذلك فنحر الإبل لأهل مكة ، ونحر الإبل لأهل الشعاب ، ونحر الإبل على رؤوس الجبال ، ليطعم الناس وليطعم الوحش . قال : وهل كان عبد المطلب إلا نعمة للناس ونقمة على الإبل . ولكن عبد المطلب لم يفرغ من شأنه ذاك ، ولم يعد إلى المسجد مع العصر حتى رأى أندمة قريش متجمعة فيه ، تلهج كلها بحديث غريب ونبأ طريف أذاعه في مكة رجل من أهل الظواهر ، فشغل به الناس وتناقلوه . وكان هذا الرجل طلبة أهل المسجد ، ينتقل بحديثه من ندى إلى ندى ، فلا يكاد يتم حديثه إلى قوم حتى يدعوه إليهم قوم آخرون ليسمعوا منه ويسألوه . وكان يستجيب لمن يدعوه ولا يزهد في أن يعيد قصته مرة مرة ، وكأنه قد أحس لنفسه خطرا ، وكأنه قد رأى نفسه مطلوبا بعد أن لم يكن من قبل إلا طالبا وكأنه قد كبر في نفسه ، فكان يقول ويطيل في القول وكان يفصل ويغرق في التفصيل . وكانت أفناء قريش تسمع له ، فمنها من يعجب ومنها من يرتاع ، ومنها من يلقى الحديث بالإغراق في الضحك ، ومنها من يلقى الحديث بهز الرؤوس . وكان هذا الرجل يقص قصصه فيقول : ما كنت أعلم أن لليل أسرارا ليست للنهار . وما كنت أعلم أن للصحراء أنباء ليست للمدن والأرض العامرة . وما كنت أحسب أن في هذا الهواء الذي نتنسمه وفي هذا الفضاء الذي يحيط بنا أرواحا تتناجى ، وأحياء تتجاذب الحديث ، حتى رأيت ما رأيت ، وسمعت ما سمعت ، فتبينت أن حياتنا غرور ، وأن علمنا جهل ، وأن أحاديثا لهو وهراء . والناس يتعجلونه فيقولون له : هات ما عندك من النبأ ، حتى إذا فرغت من قصته فقل ما شئت ، وهو يقول : لقد جنني الليل وإني لفي طريقي من الطائف إلى مكة فلا أحفل بذلك ولا أبه له ، ولا أفكر في أن أوي إلى حي من هذه الأحياء التي تنتشر بيوتها في الطريق لأنتظر مشرق الشمس ، ولكني أمضي أمامي لا ألوي على شيء ولا أرهب شيئا ، وماذا أرهب والطريق آمنة واضحة يسلكها الناس إذا أصبحوا ويسلكونها إذا أمسوا ، يسيرون فيها مع ضوء النهار ، ويسيرون فيها مع